محمد جمال الدين القاسمي
5
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
على الروم وَمِنْ بَعْدُ أي من بعد غلبة الروم على فارس . ويقال : لله العلم والقدرة والمشيئة من قبل إبداء الخلق ، ومن بعد إفناء الخلق . والمعنى : أن كلا من كونهم مغلوبين أولا ، وغالبين آخرا ، ليس إلا بأمره وقضائه ، وعلمه ومشيئته . كما قال تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] ، وَيَوْمَئِذٍ أي يوم إذ يغلب الروم على فارس ، ويحل ما وعده اللّه تعالى من غلبتهم يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ أي تغليبه من له كتاب ، على من لا كتاب له . وغيظ من شمت بهم من كفار مكة . ويقال : نصر اللّه هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ أي من عباده على عدوّه وَهُوَ الْعَزِيزُ أي القاهر الغالب على أمره ، لا يعجزه من شاء نصره الرَّحِيمُ أي من نصره وتغليبه من يشاء وَعْدَ اللَّهِ ، لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي بحكمته تعالى ، في كونه وأفعاله المحكمة ، الجارية على وفق العدل ، لجهلهم وعدم تفكرهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 7 إلى 8 ] يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ( 7 ) أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وهو ما يوافق شهواتهم وأهواءهم وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ أي التي هي المطلب الأعلى هُمْ غافِلُونَ أي لا يخطرونها ببالهم . فهم جاهلون بها تاركون لعملها . لطائف : قال الزمخشريّ : قوله تعالى يَعْلَمُونَ بدل من قوله ( لا يعلمون ) وفي هذا الإبدال من النكتة ، أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسدّ مسدّه ، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل ، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا . وقوله ظاهِراً يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا . فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها . وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة ، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة . انتهى . وناقش الكرخيّ في إبدال يَعْلَمُونَ قال : إن الصناعة لا تساعد عليه . لأن بدل فعل مثبت ، من فعل منفيّ لا يصح . واستظهر قول الحرفيّ ؛ أن يَعْلَمُونَ استئناف في المعنى .